الخطيب الشربيني

526

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ثم ذكر ضد المكذبين بقوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي : الذين اتقوا الشرك لأنهم في مقابلة المكذبين فِي ظِلالٍ أي : تكاثف أشجار إذ لا شمس يظل من حرّها وَعُيُونٍ أي : من ماء وعسل ولبن وخمر كما قال تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [ محمد : 15 ] . وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم العين والباقون بكسرها . وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ في هذا إعلام بأن المأكل والمشرب في الجنة بحسب شهواتهم بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب . وقوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف الذي هو في ظلال أي : هم مستقرّون في ظلال مقولا لهم ذلك . وقوله تعالى : هَنِيئاً حال أي : متهنئين بِما أي : بسبب ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من طاعات الله تعالى . إِنَّا أي : بما لنا من العظمة كَذلِكَ أي : كما جزينا المتقين هذا الجزاء العظيم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي : نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي : إذ يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين لِلْمُكَذِّبِينَ أي : يمحض لهم العذاب المخلد ضدّ النعيم المؤبد . وقوله تعالى : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا خطاب للكفار في الدنيا قَلِيلًا أي : من الزمان وغايته إلى الموت وهو زمان قليل لأنه زائل مع قصر مدّته في زمن الآخرة وفي هذا تهديد لهم ، ويجوز أن يكون ذلك خطابا لهم في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم ، وكانوا من أهله تذكيرا بحالهم السمجة بما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك الخالد ، وهذا ما جرى عليه الزمخشري أوّلا وذكر الأول ثانيا ، واقتصر الجلال المحلي على ما ذكرته أولا وهو أولى . قال بعض العلماء : التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين ، والسعي لها من أفعال الظالمين ، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين ، والسكون فيها على حد الإذن ، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين ، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين ، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها . ثم علل ذلك مؤكدا بقوله تعالى لأنّهم ينكرون وصفهم بذلك : إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ففيه دلالة على أنّ كل مجرم يتمتع أياما قلائل ، ثم البقاء في الهلاك أبدا . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي : إذ تعذبون بإجرامكم لِلْمُكَذِّبِينَ حيث عرّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل . وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي : لهؤلاء المجرمين من أي : قائل كان ارْكَعُوا أي : صلوا الصلاة التي فيها الركوع كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وأطلقوه عليها تسمية لها باسم جزئها ، وخص هذا الجزء لأنّه يقال على الخضوع والطاعة ولأنّه خاص بصلاة المسلمين لا يَرْكَعُونَ أي : لا يصلون ، قال الرازي : وهذا ظاهر لأنّ الركوع من أركانها ، فبين تعالى أنّ هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون ويجوز أن يكون اركعوا بمعنى اخشعوا وتواضعوا لله بقبول وحيه واتباع دينه ، واطرحوا هذا الاستكبار لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على